مناقشة التمهيد الذي مهد به صاحب المنهج:

يقول صاحب المنهج في أول تقديمه: “هدفي من نشر هذا البحث أو غيره هو جعله أداة في يد القارئ تدخله معي في عوالم البلاغ المبين، هذه الخطوة في نشر مبحث المنهج مع خطورة عواقبها ضروريا إن أردنا فتح القرآن أمام الإنسانية”.

1 ـ إذن فهدف صاحب المنهج هو هدف “دعوي”.

2 ـ يدعو فيه الناس لاتباعه ليدخلوا معه في عوالم البلاغ المبين.

3 ـ وقد بدأ في هذه الدعوة بنشر المنهج: “هذه الخطوة في نشر مبحث المنهج”.

4 ـ مع علمه ـ كما يقول هنا ـ بخطورة العواقب.

ولأن صاحب المنهج سيأتي بالعجائب فقد بدأ في تجهيز القرّاء لتقبل ما سيأتي فقال:

وقد يحمل هذا البحث نقاطا قد تثير القارئ وأنبهه أنّ الأفكار التي لا توقف الرجل من مقعده ولا تقض مضجعه لا تصلح عندي أن تسمى أفكارا ولا تستحق لا النشر ولا التعليق إلاّ من باب الذكرى“.

ونلاحظ هنا أن صاحب المنهج يضع معيار تعريف “الأفكار” ـ عنده ـ:

فالأفكار عنده هي التي تُوقف الرجل من مقعده وتقضُّ مضجعه عندما يتفكر فيها.

وهذا هو الخطأ الأول في استفتاح الكلام:

1 ـ فلا يصلح أن يُقدِّم صاحب منهج عامّ (لقراءة القرءان) في تمهيد منهجه (لمن يليه) برؤية خاصّة ويقول: “عندي”!!

2 ـ إن المفروض أن يضبط المنهج كل الجزيئات ومن قبلها الأفكار، فإذا كان تعريف الأفكار نفسه خطأ فالمنهج إذن إما أن يكون غير حاكم ـ وهذا إشكال ـ، وإما أن يكون به خطأ هذه إحدى مفرزاته ـ فيكون الإشكال أكبرـ.

لقد اعتَمَد صاحب المنهج اعتمادًا كبيرًا علي السرقة مِن الغير ـ كما سيأتي بغزارة ـ، وذَلِكَ كَقولهِ في البداية:

“يوجه القرآن دارسه إلى تنزيل منهاج قراءة على قلبه تنزيلا ذاتيا . .”.

وهو نفس كلام الأستاذ سمير إبراهيم خليل حَسَن بالنصّ، والذي يقول فيه: “أمَّا مسألة تنزيل منهاج ٱلقرءان فى قلب كل واحد من ٱلبشر وتثبيته فى فؤاده فهى متروكة للبشر. وهو ٱلذى ينزِّل منهاج ٱلقرءان فى قلبه بنفسه . .”.

ثم تناول صاحب المنهج قوله تعالى من سورة المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)”.

والذي يقول الأستاذ سمير فيه: “وتطوير ٱلرُّوح فىۤ أنفسنا لا يكون إلا بتنزيل منهاج ٱلقرءان فيها ومنه منهاج ٱلوقاية وٱلتطوير وٱلوصل مع ٱلصانع ٱللّه. وهذا ما بينه لنا ٱلبلاغ ٱلعربى: “يَٰۤأيُّها ٱلَّذين ءَامنوا لا تَسئَلُوا عَن أشيآء إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وإن تَسئَلُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ ٱلقرءانُ تُبدَ لَكُم” 101 ٱلمآئدة.

وهذا عن تنزيل ٱلقرءان فىۤ أنفسنا. وبتنزيله يتغير ما بأنفسنا. وما فىۤ أنفسنا هو منهاج أدنى لا يملك ٱلقدرة علىۤ إدراك ما يستطيعه منهاج ٱلقرءان ٱلعربى ٱلمبين”.

إلا أن الأستاذ سمير قد أخطأ في فهمه للأية التي لا علاقة لها بالأسئلة المعرفية، وتبعه على ذلك صاحب المنهج الذي يحطب بليل، فزاد على قول الأستاذ سمير بزيادات كانت في منتهى الخطأ وأسس عليها أوهامًا عدة. يقول إبراهيم بن نبي (صاحب المنهج):

الآية تطالب بطرح السؤال حين تنزيل القرآن، وليس بعد تنزيله، وإذ تؤكد الآية مغفرة الله وحلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها. ويظهر إذن أنّ الآية تحمل اختلافا و تناقضا بيّنا في أجزاءها، فما المشكلة؟

أساس المشكلة تبدأ من فهم دليل لفظ “حين يُنزّل” الذي جعله الأسلاف مرادفا ل “بعد أن يُنزّل” ولم ينتبهوا أن نزول آية النهي عن السؤال يعني أن السؤال قد طُرح. فالآيات لا تتحدث عن أسئلة شخصية طرحها معينون بل تتحدث عن أسئلة تخص القرآن ذاته بدليل تصحيحها الفوري :

“ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، و أكثرهم لا يعقلون” المائدة 103. فالآيات تتحدث عن جواب يسوء من يسأل عنه إذ هو لم ينزِّل القرآن بعد على ذاته وهو قد يتهم القرآن بعد هذا بالنقص أو العجز أو الدجل، فتنزيل القرآن على الذات “حين ينزل” بمنهج قراءته الصحيح هو الدرع الواقي من السيئة و السوءة فلفظ “التنزيل” ليس محصورا في تنزيل النص القرآني على قلب النبي الكريم محمد و إنّما التنزيل loading هو لكل إنسان يريد أن يتفاعل مع الكتاب فعليه تنزيل القرآن في ذاته.

و من الناس من يملك منهجا خاطئا يوصله في قراءته للقرآن إلى أخطاء تعود إلى خطأ المنهج نفسه و هذا لا ضير فيه إذ يمكن تصحيحه بإكتشاف الخطأ بما أودع الله في الكون من عفو و حلم يسمح بتصحيح أخطاءنا وهذا ما تعنيه الآية 101. أمّا الأخطر فهو غياب المنهج وحينها يصبح الهدى الذي يحمله القرآن سببا في الكفر، أي سببا في الإمتناع عن سماعه بتغطية كل سبل التفاعل معه التي تصوره الآية 102 فالمنهج الخاطئ يكشف سوءة صاحب من يتبناه أمّا غياب المنهج فهو دافع قوي إلى الكفر و صد أبواب الحوار و التفاعل الإيجابي مع الغير“.

وهنا نجد أخطأ جمّة في فهم الأيات، سنضطر معها إلى تجزئة الردّ ثم جمعه في النهاية لنرى المعنى الحقيقي لهذه الأيات.

● يقول سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا”.

الخطأ الأول: يظنّ الأستاذ صاحب المنهج أن المقصودين في الأية هم جميع المؤمنين، وهو خطأ ظاهر. فالمخاطبون هنا هم قوم بعينهم من مجتمع المؤمنين المعاصرين لتنزيل القرءان (وهو ما سيوضحه بقية الشرح فلننتظر للنهاية).

فقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا” قد يأتي ويُقصد به فئة من المؤمنين، وقد يأتي ويُقصد به كل المؤمنين، ومن الأول قوله تعالى:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ”.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا”.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ”.

والمقصود بالذين ءامنوا في هذه الأيات هم المعاصرون للنبيّ النازل فيهم القرءان. وهم الذين نُهوا عن سؤال هذه الأشياء التي سألها قوم من قبلهم ثم كفروا بها.

● ثم يقول سبحانه: “لَا تَسْأَلُوا”.

يقول صاحب المنهج: “وإذ تؤكد الآية مغفرة الله وحلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها“.

وفي كلام صاحب المنهج غفلة عجيبة؛ فالله سبحانه يقول: “لَا تَسْأَلُوا”، وصاحب المنهج يقول: “تؤكد الآية مغفرة الله وحلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال”!!!

وهذا هو الخطأ الثاني: فهذه النتيجة خاطئة تمامًا، حَيثُ تمّ إغفال الكثير من الحقائق للوصول إليها:

1 ـ فالله تعالى لم يُحَذِّر هنا أو في كتابه عمومًا من السؤال في أي مسألة من المسائل المتعلقة بالكتاب المنزل، أو بغيره من مسائل تحتاج إلى الفتوى والمعرفة كما يقول صاحب المنهج: “فهي بهذا تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها”. وكيف سيكون ذلك مع دعوته سبحانه للمؤمنين للتعلم والمعرفة، وأساسهما هو السؤال؟!

2 ـ بل إن الله تعالى استعرض بكتابه أسئلة المؤمنين وأجابهم أسئلتهم:

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ”.

“يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ”.

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ”.

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ”.

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ” . . . الخ.

لم يحدث أبدًا أن حذّر الله المؤمنين من السؤال عما يعنّ لهم في سبيل فهم دينهم، أو أي جزئية من جزئيات الكتاب المنزل.

فقول صاحب المنهج هنا أن الأية تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها غير وجيه وغير صحيح.

● إذن فما هو المقصود بقوله تعالى: “لَا تَسْأَلُوا”؟!!

السؤال في القرءان يأتي بمعنى طلب حاجة، أو بمعنى سؤال لطلب المعرفة، وعلى ذلك فيكون “السائل” في القرءان تأتي بمعنى الذي يسأل حاجة: “وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”، أو الذي يسأل سؤالاً: “لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ”.

وهنا في موضوعنا نجد أن النهي جاء عن السؤال بمعنى “الطلب” وليس السؤال من أجل المعرفة، وللبيان:

● لو تدبرنا قوله تعالى في الأية التالية (102) سنجد أنها جاءت لتوضح البعد المادي للمسؤول عنه، فيقول سبحانه:

“قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)”.

ونلاحظ:

1 ـ أنه سبحانه قال: “قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ”، ولم يقل: “قد سأل عنها قوم من قبلكم”.

والفرق بين الجملتين واضح: فلو كان: “السؤال عن”، بالمعنى المعرفي الذي ذهب إليه صاحب المنهج من أنه يعني “طرح الأسئلة” لجاء قوله تعالى في الأية (102) بنصّ: “قد سأل عنها قوم من قبلكم” وهو ما لم يحدث. فلما جاء قوله تعالى في الأية التالية: “قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ” تبين أن السؤال هو “طلب” لشيء محسوس معروف للمخاطَب وليس سؤال عن شيء لمعرفته . . . فتأمل.

2 ـ ثم إن قوله تعالى: “قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ”، يعني أنهم سألوا بمعنى “طلبوا” هذا الشيء لأنفسهم، ثم كفروا بهذه الأشياء بعد أن أعطوها: “ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ”. ومن هنا جاءت هذه الأية كموعظة للمؤمنين المخاطبون في الأية لكي ينتهوا عن سؤال هذه الأشياء حتى لا يصيروا إلى ما صار إليه من قبلهم.

3 ـ وبالتالي فإن كل ما جاهد صاحب المنهج لتأكيده من أن السؤال عن الأشياء له وضعين: أحدهما قبل تنزيل القرءان على القلب وهو ما سيسوء الناظر، والآخر حين تنزيله فلن يسوء الناظر ساعتها شيء لأنه سيفهمها على وجهها الصحيح هو خطأ ليس له ما يسانده، وإن كان المعنى صحيح بعيدًا عن الأية.

● ولو نظرنا سنجد أن نهي الله للمؤمنين عن السؤال ـ كما جاء بكتاب ربنا المطلوب تدبره ـ يكون لصالح السائل، إذ ستكون الإجابة فيها مهلكة له؛ فنجده سبحانه يقول:

“وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ”.

لقد سأل قوم موسى موسى أشياء أغضبت الله عليهم فأبدى (أجاب) الله لهم ما سألوه فساءهم ما أبداه الله لهم؛ إذ ضُرِبَت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله.

لقد كان السبب في سؤالهم عن الزروع والمحاصيل هو عدم اطمئنانهم لاستمرار رزق الله المن والسلوى، فهم يطمئنون لسنن الله في إخراج الأرض للزرع أكثر من اطمئنانهم لله نفسه؛ فاستحقوا الغضب من الله.

وهناك أمثلة أخرى ولو أنها لا تنطبق على حالة الأية محل النقاش لكونها متعلقة بالأيات التي امتنع ورودها في الرسالة الخاتمة إلا أن الإشارة إليها ستفيد من حيث وجود توجيه رباني بعدم سؤالها، وذلك كقوله تعالى:

“أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ‏”. فما هو الذى سُئِلَهُ موسى من قبل؟!

والجواب هو : الأيات المعجزات. فقد بدأت سورة البقرة فى بيان حال بني إسرائيل مع موسى، فذكر سبحانه كيف أرى بني إسرائيل آياته ومعجزاته لعلهم يهتدون، وقد كان من ذلك فرقه سبحانه البحر بهم:

“وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ‏”.

وبرغم ذلك قابل بنو إسرائيل نعمة الله وإنقاذه لهم، وما أراه لهم من آيات بالجحود والنكران، فما أن عبروا البحر حتى طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما كان يعكف بعض الكفار على أصنام لهم.

وواضح إلى هنا أن الأيات (المعجزات) لم تغير شيئًا من الطبيعة الكفرية لكفار بني إسرائيل.

وكذلك حدث نفس الشيء مع ءاية رفع الله تعالى لجبل الطور فوق رؤوسهم :

“وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏”.

وهكذا سارت الأمور، وتوالت الأيات، وأنزل الله تعالى عليهم المنّ والسلوى، وظللهم بالغمام، وفجر لهم الاثنتى عشرة عينًا، وهم فى غيِّهم يرفلون، ويقابلون إحسان الله ونعمه بالإساءة والجحود؛ فقتلوا الأنبياء، وعصوا أوامر الله لهم على كل الأصعدة، بل إن الأمر تطور للأسوأ، فقد شك هؤلاء فى ربهم، ولم يكتفو بكل الأيات السابقة، وطلبوا من موسى رؤية الله جهرة:

“وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ” ‏.

إذن فالأيات لم تنفع مع قوم موسى، كما لم تنفع مع من قبلهم من الأمم كناقة صالح وغيرها.

وقد سأل أهل الكتاب الرسولَ محمد أن يأتيهم بالأيات المعجزات (كما سأل سلفهم موسى)، فسألوه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء:

“يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ”‏.

ولكن الله تعالى بيّن لهم ولغيرهم أن هذا الطلب مرفوض، وأن زمن المعجزات الحسية المعتمدة على الحواس الخمس المعروفة قد ولى، معللاً لهم ذلك بعدم جدواها مع سلفهم، فقال سبحانه:

“وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ”‏.

ولذا فقد جاء الخطاب لمن حول النبى من المؤمنين والمنافقين وغيرهم من البسطاء ليقول لهم سبحانه مذكرًا إياهم بما حدث فيمن سبقهم من الأمم، ومحذرًا لهم: “أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ‏”.

ثم يصف حال هؤلاء الذين لا يعلمون من أهل الكتاب أنهم كغيرهم ممن سبقهم : علقوا إيمانهم على مجيء الأيات:

“وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ”. ‏

فمثل هذه الأشياء هى التي ينهى الله تعالى المؤمنين عن سؤالها، ولذا جاء التحذير هنا من السؤال لكي لا يقع من عزم من المؤمنين على سؤال هذه الأشياء في المحظور. والقرءان يشرح ويبين بعضه بعضًا، والقول فيه دون تدبر بقية آياته يذهب بالقائل كل مذهب.

● “عَنْ أَشْيَاءَ”.

نجد هنا في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ . . .” لفظ: “أَشْيَاءَ”.

ولفظ: “أَشْيَاءَ” جاء بالقرءان ثلاث مرات بخلاف هذه، ويقصد بها الممتلكات المادية غير المحددة: “وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ”، “وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ”، “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ”.

● “إِنْ تُبْدَ لَكُمْ”.

ولفظ: “تُبْدَ لَكُمْ” يعني: تظهر لكم (سواء مادية أو معنوية):

مادية: “تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا”.

معنوية: “مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ”. “قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ”.

● “تَسُؤْكُمْ”.

وهو واضح كقوله: “إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ”.

● ثم يقول تعالى: “وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ”.

“حِينَ”: تعني وقت وزمن، ولنطالع بعض ذلك:

“اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا”.

“أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”.

“وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ”.

“وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا”.

فقول صاحب المنهج: “أساس المشكلة تبدأ من فهم دليل لفظ “حين يُنزّل” الذي جعله الأسلاف مرادفا ل “بعد أن يُنزّل” ولم ينتبهوا أن نزول آية النهي عن السؤال يعني أن السؤال قد طُرح”.

وقوله: ” أساس المشكلة تبدأ من فهم دليل لفظ [حين يُنزّل]”، هو قول صحيح، ولكنه صحيح في حقه هو، فأساس المشكلة يكمن في أنه لم يفهم دليل اللفظ المذكور عندما مدّ لفظ “حين” ليشمل كل من يُنَزِّل القرءان على قلبه بينما هو خاص بوقت تنزيل القرءان على النبي.

أقول: لو فكر فيما يقول لوجد المشكلة عنده هو؛ إذ كيف سيقوم المؤمنون بتنزيل القرءان على قلوبهم فيفهمون معنى الأشياء التي ساءتهم سلفًا فتظل تسؤوهم في جميع الأحوال؟!!

إذن فكلمة “حين” هنا إذا ما توجهت لمعناها الصحيح فسيصح معها بقية معاني الكلمات بالأية ليصير المعنى الكلي سليمًا بلا عوار كالذي ينشئه مذهب صاحب المنهج في الأية.

إن الله تعالى لم يقل (مثلاً): “وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبدا لكم ولا تسؤكم” فأضاف صاحب المنهج عدم الإساءة من عندياته ليمشي قوله في الأية. . . فتأمل!!

● ثم يقول تعالى: “وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ”.

“يُنَزَّلُ” هنا كقوله تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا”.

لم يقل سبحانه: حين تنزلوا القرءان، ولمزيد بيان نقول: نحن هنا بين أمرين:

إما أن يكون المقصود بـ: “حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ” أي: وقت ينزّل القرءان على الرسول ويُقضى إليه وحيه.

أو أن يكون المقصود هو وقت تنزيل القرءان على القلوب عامّة. ولكن ظهور المسؤول عنه يسوء في جميع الأحيان ـ كما سلف بيانه ـ، ولننظر جيدًا إلى سياق الأيات:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ”.

الله تعالى يقول هنا: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن سألتم عنها وقت تنزيل القرءان ستُبد لكم وإن أُبْدِيَت لكم ستسؤكم. فالتحذير واقع للمؤمنين أنهم إذا ما سألوا عن الأشياء المعروفة لهم وقت نزول القرءان فستبدا لهم وسيسؤهم هذا الإبداء بأي حال؛ فكيف يقول صاحب المنهج:

“الآية تطالب بطرح السؤال حين تنزيل القرآن”.

“وإذ تؤكد الآية مغفرة الله وحلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال”.

“فالآيات تتحدث عن جواب يسوء من يسأل عنه إذ هو لم ينزِّل القرآن بعد على ذاته”.

“فتنزيل القرآن على الذات “حين ينزل” بمنهج قراءته الصحيح هو الدرع الواقي من السيئة والسوءة”.

كلام صاحب المنهج كما هو واضح بعيد عن تدبر الأيات.

● ثم انظر إلى قوله تعالى: “عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)”

فنجد أن انتهاء الأية بذكر مغفرة الله وحلمه هو تأكيد على النهي التحذيري الواقع في بداية الأية عن سؤال هذه الأشياء التي يحتاج العزم على سؤالها إلى مغفرة وحلم!!!

فإذا كان العزم على سؤال هذه الأشياء يحتاج إلى مغفرة وحلم فما بالنا بسؤالها؟!!

الخلاصة:

إذن فقد أراد بعض المؤمنين المعاصرين للنبي أن يسألوا عن أشياء مادية “لم يُفصح عنها القرءان” لمعلوميتها لهم. فجاءهم التحذير من الله تعالى أن يسألوا عن هذه الأشياء التي لو أظهرها الله لهم حين يُنزل القرءان لساءهم إظهارها؛ إذ سألها قوم ممن سبقوا فأوتوها فكانت سببًا لغمّهم بعد أن كفروا بها. وبما أن الخطاب هنا يدور عن هذه الأشياء المنهي عن سؤالها فهو ليس للمؤمنين الذين سيقومون بتنزيل القرءان على قلوبهم (install) على مرّ الزمان، وإنما هو للمؤمنين الذين ينزل القرءان فيهم. ولنلخص ما قلناه هنا:

1 ـ المخاطبون في الأية هم قوم بعينهم من مجتمع المؤمنين المعاصرين لتنزيل القرءان.

2 ـ والله تعالى لم يُحَذِّر في كتابه عمومًا من السؤال في أي مسألة من المسائل المتعلقة بالكتاب المنزل، أو بغيره من مسائل تحتاج إلى الفتوى والمعرفة.

3 ـ الله تعالى استعرض بكتابه أسئلة المؤمنين وأجابهم أسئلتهم.

4 ـ السؤال في الأية جاء بمعنى طلب حاجة.

5 ـ السائل في الأية هم مجموعة أرادوا سؤال حاجة مادية.

6 ـ النهي في الأية جاء عن السؤال بمعنى “الطلب” وليس السؤال من أجل المعرفة.

7 ـ قوله تعالى: “قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ”، يعني أنهم سألوا بمعنى “طلبوا” هذا الشيء لأنفسهم، ثم كفروا بهذه الأشياء بعد أن أعطوها.

8 ـ جاءت هذه الأية كموعظة للمؤمنين المخاطبون في الأية لكي يرجعوا عن عزمهم سؤال هذه الأشياء حتى لا يصيروا إلى ما صار إليه من قبلهم.

9 ـ نهي الله للمؤمنين عن سؤال شيء ما ـ كما جاء بكتاب ربنا المطلوب تدبره ـ يكون لصالح السائل، إذ ستكون الإجابة فيها مهلكة له.

10

ـ لفظ: “أَشْيَاءَ” جاء بالقرءان ثلاث مرات بخلاف ما جاء في الأية، ويقصد بها الممتلكات المادية غير المحددة.

11 ـ ظهور المسؤول عنه يسوء في جميع الأحوال.

12 ـ انتهاء الأية بذكر مغفرة الله وحلمه هو تأكيد على النهي عن سؤال هذه الأشياء التي تحتاج إلى مغفرة وحلم بعد أن حذرت منه في بدايتها.

إذن فقد سأل بعض المعاصرين للنبي عن أشياء مادية “لم يُفصح عنها القرءان” لمعلوميتها لهم. ولو أظهرها الله لهم حين يُنزل القرءان لساءهم إظهارها؛ إذ سألها قوم ممن سبقوا فأوتوها فكانت سببًا لغمّهم بعد أن كفروا بها.

 

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ