ثم يقول صاحب المنهج: “ويسمي القرآن غياب منهج القراءة والتخبط في التعامل معه خوضا“.

وقوله هُنا بأن القرءان يسمي غياب منهج القراءة والتخبط في التعامل معه خوضا فهو غير صحيح. فالقرءان قال بالخوض للذين يلعبون ويقصدون الكفر بأيات الله ويتخذون الدين لهوًا ولعبًا واستهزاءً:

” وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ”.

“وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ”.

ومثل هؤلاء لا يُقال عنهم أن منهج قراءة القرءان قد غاب عنهم، فهم لا يريدون أن يقرأوا شيئًا بالأساس فضلاً عن انتهاج منهج بعينه لقراءة القرءان.

ثم يقول صاحب المنهج: “فأنباء القرآن هي الحق الكوني الذي سيستقر نبأها شيئا فشيئا مواكبة طور الإنسان العلمي و المعرفي والذين يخوضون دون تحضير ودون إطالة النظر في الكون و دون وقايات عديدة لفهم حقائق القرآن لا مجال للقعود معهم فهم في مرحلة طحلبية متأخرة جدا يجب تنبيههم إن سمعوا بإرتداء الوقايات حتى لا ينزلقوا في الإتهام الباطل أمّا من أسس لنفسه منهجا و أخطأ فهذا “ما من حسابهم من شيء”، عليه فقط أن يحنف عن قراءته الخاطئة و منهجه الخاطئ “.

وقوله هُنا بأن أنباء القرءان هى الحق الكوني غير صحيح. فأنباء القرءان كما جاءت بالقرءان كالتالي:

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ”.

تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ”.

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ”.

“وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ”.

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ”.

“كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا”.

ونلاحظ أن أنباء القرءان جاءت عبارة عن:

أ ـ أنباء الغيب الماضي.

ب ـ أنباء القرى.

جـ ـ أنباء الرسل.

فأين أن في القرءان نصّ على أن أنباء القرءان هى الحق الكوني؟!

بالطبع هذا كلام لا يخضع للنصّ المنزل.

بقى أن يُقال إن المقصود هو ظهور معاني كانت كامنة أظهرها الاكتشاف العلمي.

وحتى هكذا فعبارة: “فأنباء القرآن هي الحق الكوني” هى خطأ بيّن. فعندنا النصّ يقول:

” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”، فلماذا نقول بأن أنباء القرءان هى الحق الكوني بينما هى لا علاقة لها بالحق الكوني؟!

والحق أن يُقال إن التقدم العلمي سيُمَكِّنُ الناس من خلال دراسة الأفاق والحياة البيولوجية للإنسان من تبين أن القرءان حق.

فمثلاً عندما يقول الله سبحانه: ” وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.

فسيجد الإنسان البسيط من حوله بعينه المجردة هذه الحقيقة ماثلة أمامه، فيطمئن قلبه ويسكن خاطره بهذه الحقيقة لأن كلمات الله تعالى تأتي بالحق.

فإذا مرت الأعوام وطال الزمان، وجاء “بنو ميكروسكوب” واطلّعوا على ما وراء العين المجردة فسيجدوا هذا التزواج واقع كما هو في المرئي بالعين المجردة. وهكذا كلما زادت التقنية دقة وتعمق النظر ظلت الحقيقة على ثباتها، وظل التزاوج واقعًا. حتى إذا ما وصلوا إلى المنتهى وجدوا أن ٱلكواركات لا تظهر إلاّ ملتصقة ببعضها البعض على شكل أزواج تسمى ٱلميزونات mesons”.

ويقول الأستاذ سمير (الذي ينقل منه صاحب المنهج) نقلاً عن مقال “ٱكتشاف كوارك ٱلقمة” الوارد بمجلة العلوم الأمريكية ـ المجلد 14 ـ العدد 5 ـ 1998:

“وحتى “كوارك ٱلقمة يتفكك حسب تنبؤات ٱلمنوال ٱلمعياري إلى جسيم w وكوارك ٱلقاعدة، ويمكن للجسيم w أن يتفكك إلى كوارك وكوارك مضاد من ٱلجيل نفسه: كوارك فوقي وكوارك تحتي مثلاً”.

إذن فالتزاوج واقع بكل حال، ولكن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة عند من يريد أن يصل إلى الحق هو: كيف توصل بشر منذ ما يقرب من الألف وخمسمائة عام إلى هذه الحقيقة “الطازة” التي لم يمرّ على معرفتها والتثبت منها سوى زمن يسير؟!

إذن فالذي قال بكل ثقة بوقوع الزوجية في الأشياء كلها على علم ويعلم خلقه “أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”. ويكون ما بالكتاب هو حق، يظهر ويبدوا للناس على اختلاف عصورهم وتقدم تقنيتهم.

2 ـ أما القول بأن “أنباء القرآن هي الحق الكوني الذي سيستقر نبأها شيئا فشيئا” فهو كسابقه.

3 ـ أما القول بأن: “الذي سيستقر نبأها شيئا فشيئا مواكبة طور الإنسان العلمي والمعرفي” فهو كسابقيه.

4 ـ أما القول بأن الذين يخوضون دون تحضير ودون إطالة النظر في الكون ودون وقايات عديدة لفهم حقائق القرءان لا مجال للقعود معهم كما لو كان ذلك هو مفهوم قوله تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ” فهو وهم، وتحميل للأيات ماليس فيها.

فلا شيء في القعود مع الذين يخوضون دون تحضير ودون إطالة النظر في الكون فهى ليست محل النقاش أصلاً، وإنما المنهي عنه هو الجلوس مع من يستهزؤون بآيات الكتاب.

ولعل قائل يقول: إن الكون كتاب، وءايات الكتاب هى ءايات الكون، فيكون الذين خاضوا في القديم كانوا يخوضون في الكوارك والبوزون؟!!!

ثم يقول صاحب المنهج: “المنهج المؤَسس ليس خوضا ولا لغوا بل قواعد ثابثة يلتزم المرء بنتائجها مهما ظهرت هذه النتائج غريبة عن الفكر السائد ومعادية له، ويعود المرء لتحديث منهجه إن ظهر تناقضه، عكس اللغو الذي في دليله التشرذم والضياع”.

والحقيقة أنَّهُ بغض النظر عن الفكر السائد فينبغي ألا يصطدم المنهج أو نتائجه بالنصوص أو بالعقل.

ثم يقول صاحب المنهج: “والغاية من تأسيس المنهج هو فسح المجال ليتكلم القرآن لا أن نتكلم في مكانه“.

كلام جميل إلا أن ما سبق في التقديم للمنهج حدث فيه العكس؛ فتكلم صاحب المنهج بدلاً من القرءان كما رأينا!!

ثم يقول صاحب المنهج: “مثل الذين حمِّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا؛ بئس مثل القومـ الذين كذّبوا بآيات الله؛ و الله لا يهدي القوم الظالمين” الجمعة : 5

وأظن أنّ الناس لم يتمعنوا جيدا في هذه الآية، فلنقف عندها قليلا. يهود قوم النبي موسى يفتخرون بالتوراة وهم يتلونها ولكنّهم لم يحملوها لوحدها بل حملوا معها أسفارا أخرى من ميشنا وتلمود وهاجانا زعموا أنّ التوراة لا حق فيها دون هذه الأسفار، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، فهل تنفع الحمار أسفارا ولو هدت ظهره من ثقلها! بدل أن يحملوا التوراة و يتفاعلوا مع الكون ليطمئنوا، حملوا أسفار البشر وأثقلوا بها أنفسهم، فهل ينتظر هؤلاء إلا البأس و البؤس“.

وهنا نجد أن صاحب المنهج يتكلم هو بدلاً من القرءان!!

فالقرءان يقول إن الذين حُمِّلوا التوراة ولكنهم لم يحملوها صارت التوراة معهم كما الأسفار على ظهر الحمار. فأين في الأية أن اليهود لم يحملوا التوراة لوحدها بل حملوا معها أسفارا أخرى من ميشنا وتلمود وهاجانا؟!!!

وأين أن اليهود زعموا أنّ التوراة لا حق فيها دون هذه الأسفار؟!!!

أليس صاحب المنهج يتكلم هنا بدلاً من القرءان؟!!!

ثم يقول صاحب المنهج: “أليس من واجب الناس أن ينتبهوا أنّ الله شرفهم بالتوراة والإنجيل والقرآن وطالبهم بالبحث الكوني فقط“.

وهو وهم عجيب، فأين أن الله تعالى قد طالب الناس بالبحث الكوني فقط؟!!!!

إن الله تعالى نبه الناس إلى دراسة ما حولهم من مخلوقاته وآياته ليطمئنوا ويتعرفوا على خالقهم وبعض قدرته سبحانه، ولكن هذا أمر من أمور كثيرة، ولنطالع بعض ذلك:

“أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ”.

“أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا”.

“أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ”.

“أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ”.

“أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ”.

“أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”.

فالله تعالى دعا الناس إلى النظر في السماء وبناها بنفس الوقت الذي دعاهم للسير في الأرض لينظروا إلى عاقبة من قبلهم، وهكذا.

ثم يقول سبحانه عن كتابه: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ”.

“أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا”.

“مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ”.

“فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ”.

فدراسة الكتاب وتدبر ءاياته هى دعوة مفتوحة من الله تعالى لعباده، ليعلموا ما فيه من أحكام وشريعة، ويعرفوا الحدود التي حدها سبحانه لهم لينشأ مجتمع عادل تُفتح عليه بركات السماء والأرض، ويحصل لهم الرضا الإلهي:

“وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ”.

وننتهي من هذه النقطة بأن الله تعالى طلب من الناس طلبات شتى وليس كما قيل أنه طالبهم بالبحث الكوني فقط!!!

ثم يقول صاحب المنهج: “أنّ أي بحث ينطلق من فرضيات يزعم أنّها مسلمات ثم يعود إليها في النهاية ليمحصها من جديد، ويسمي القرآن هذه العملية [القلم]: [إقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علّم بالقلم(4) علّم الإنسان ما لم يعلم(5)] العلق“.

وهذا الكلام نَقَلَهُ صاحب المنهج (المُرَكَّب) مِن عِندَ الدكتور شحرور، الَّذي يقول: “ “قلم” في اللسان العربي أصل صحيح يدل على تسوية شيء عند بريه وإصلاحه، من ذلك قلمت الظفر ومن هذا الباب سمي القلم قلماً“!!

وَهُوَ خطأ مِن الدكتور شحرور (كما سيأتي لاحقًا في بيان القلم)، ولكن الناقل غير بصير، فيسرق ما يُعْجِبَهُ ويظنّه شيئًا، ثُمَّ يتعاجب بهِ مِن مُنْطَلقِ أنَّهُ مِن بناتِ أفكارِهِ. والحقيقة أن القرءان لم يقترب مما يقول صاحب المنهج هنا، ولم يسم الفرضيات والعودة لتمحيصها بالقلم، ولا يستطيع أن يُبرهِنَ علي قولِهِ هَذَا بشيء. فلا أدري كيف يستقيم قوله هنا مع قوله السابق: “والغاية من تأسيس المنهج هو فسح المجال ليتكلم القرآن لا أن نتكلم في مكانه”!!!

ثم يقول صاحب المنهج: “القراءة وليس التلاوة تبدأ بمتابعة الخلق وزيادة معرفتنا به “ربك الذي خلق” وصولا إلى خلق الإنسان وسر نفخ الروح فيه“.

إن نفخ الروح في الإنسان ليس بسرّ من ناحية الهدف، وأما من ناحية الكيف فهو مستحيل، ففيما هذا اللغط؟!

ثم يقول صاحب المنهج: “ومن خصائص هذا التعليم الرباني خاصية القلم التي تهدم الماضي لتبني عليه أعمق وأوسع دون أن يكون في هدمها هذا سببا في توقف حياتها وسيرها“.

ولا أدري من أين له بأنه من خصائص التعليم الرباني هدم الماضي لتبني عليه أعمق وأوسع دون أن يكون في هدمها هذا سببا في توقف حياتها؟!!

ومن قال له أن هذا الذي سماه هو خاصية القلم؟!

كلام في الهواء!!!

ثم يقول صاحب المنهج: “يبدأ رسم قواعد هذا المنهج في إطار محورين كبيرين تتحرك فيهما هذه القواعد و هما : 1 ـ أنّ منهج قراءة القرآن ينبغي أن يصاغ من داخله“.

وهو كلام بديهي منطقي وسليم، ولَكِنَّهُ سيُخالفه في كل حرفٍ وكلمة.

ثم يقول صاحب المنهج: “علينا أن نحاول فهم دليل الفعل [قرأ] و [قرآن]. فعل [قرأ] يدل على إخراج ما هو مكنون في رحم وبيانه. فبفعل قرأ يخرج ما هو مكنون في كتاب الكون من رموز ويخرج قرء للناس لبيانها، وبفعل [قرأ] تخرج بيانات ثلاث من جوف المطلقة دما يبين أنّها غير حامل : [و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء] البقرة :228

أمّا فعل [تَلو] فهو يدل على تتبع الكلمات المتتالية سواءا كانت مسطورة في صحيفة أو متتابعة في صوت أو منظورة في الكون. فتلاوة الكلام (الكلام في القرآن ليس خطابا شفويا بل هو ما نطلق عليه Information فالكلام أيّا كانت هيئته لا تعني أنّ من يتلو يفهم و يعلم. لكن إذا أجهد نفسه في النظر والإدراك قد يصل إلى استنباط ما يتلوه، وهو بهذا الجهد يكون قد [قرأ] و جعل الكلام المتلو قرءا“.

أقول وهو كلام مسروق ومُرَكَّب مِن عند كِلٍّ مِن الأستاذ سمير الذي يقول في كتابه منهاج العلوم (المطبوع سنة 2002 ـ ص: 189):

” ٱلفعل “قرأ” يدل علىۤ إخراج مخزون مثبَّت فى مكان حصين كٱلفؤاد. وخروجه يكون نطقًا بٱلِّسان أو خطًّا بٱليد. وكل مِّنهما هو قرء. كذٰلك هو خروج ٱلحيض من رحم ٱلأنثى:

يتربَّصنَ بأنفسهنَّ ثلاثة قروءٍ” 228ٱلبقرة.

وتستعمل ٱللغة ٱلكلمة فى مكان كلمة “تَلَوَ يتلو” ٱلتى تدل على تتبع ٱلكلام فى ٱلسطر بٱلعين سوآء ءكان ذٰلك بصوت أم مِّن دون صوت. وهى لا تستعمل كلمة “تلو” إلا فى تلاوة ٱلقرءان. كما تحرف كلمة “قرء” بكلمة “قراءة”. أمَّا ٱستعمالها لكلمة “ٱستقرآء” فأرى فيه قربًا من دليل ٱلكلمة. بل يمكن ٱلقول أنَّه صواب”.

والدكتور شحرور الَّذي يقول: ” الكتاب المكنون: هو البرنامج الذي بموجبه تعمل قوانين الكون العامة كمعلومات (INFORMATION)”.

أما قول صاحب المنهج: “وأشير هنا عابرا أنّ رسم النون يدل على الإحتواء، وكأنّ النون مجموعة من النقاط محصورة في وعاء لا تنفلت منه و يقذف بها نقطة نقطة من الداخل مع صعوبة خروجها من عمقه“.

فهو رجم بالغيب، ولا أساس له يُعَوَّل عليه. والذي يتكلم في القرءان لابد له من أن يتكلم فيه بحق، وبعلم، فما بالنا أنه يتكلم في إنشاء منهج قراءة للقرءان، فهل مثل هذا القول قيل بعلم، وخاضع لضوابط، ويُبنى عليه؟!!

ثم يقول صاحب المنهج: “ويشهد القرآن لنفسه أنّه تنزيل للكتاب، أي أنّ الكون كلّه أُسقط في صحيفة تحويه في قروءه كلها. وعليه فبيان القرآن يأتي في وقت بعيد عن وقت نزوله“.

وهذا القول لا يستقيم بحال، وفساده واضح من وجوه.

فلو طالعنا (مثلاً) قوله تعالى: ” تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ” وقلنا بقول صاحب المنهج بأن المعنى هو أنّ الكون كلّه أُسقط في صحيفة تحويه في قروءه كلها فسنجد في الأية التالية: “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ”.

وظاهر في الأية أن الله تعالى يقول إن كتابه هذا الذي يقولون إن الرسول افتراه هو الحق وأن الهدف منه هو إنذار القوم النازل فيهم هذا الكتاب لعلهم يهتدون.

ولكن القوم هناك لن يصلح معهم القول بأنّ الكون كلّه أُسقط في صحيفة تحويه في قروءه كلها، فيكون هذا القول فاسد هناك. وحتى لو رجعنا إلى الوراء لمئتي سنة فقط فلن يكون لمثل هذا القول أي قيمة. إذن فهذا القول مبني على الاكتشافات الحديثة المتأخرة، فيكون القول به هو إفراغ للكتاب من محتواه الفكري والمعنوي والهدفي طيلة عمره الماضي لمئات السنين.

ولعله من معايير صحة النظرية أن تثبت في طرحها زمانًا، وعقلاً، وهو ما لا يتوفر لهذا الطرح بحال. ولوقوع الخلل في القول نجد تكملته مستمرة في نفس الفساد فنجد: “وعليه فبيان القرآن يأتي في وقت بعيد عن وقت نزوله”!!!

فبالله عليكم هل يُنْزل الله كتابًا لا معنى له عند من نزل فيهم ثم يأتي بيانه في وقت بعيد عن وقت نزوله؟!

لقد تورك صاحب المنهج على حرفين اثنين في قوله هذا وهى كلمة “ثم”:أمّا بيان القرآن فيأتي بعد ذلك بزمن بعيد الذي ترسمه أداة [ثمّ]“.

حسنًا فلنناقش توركه على: “ثم”:

فلو نظرنا لورود “ثم” فى آيات الكتاب نجد أنها تأتى أحيانًا فى سياق يستغرق آلاف السنين، وأحيانًا أخرى فى سياق يستغرق ساعات أو دقائق، وأحيانًا أخرى لا تفيد التراخى مطلقًا:

● فعندما يقول سبحانه: ” قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ● ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ . . “.

فهو سياق ” ثم ” فيه تستغرق آلاف السنين.

● وعندما يقول تعالى: ” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ● ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ● ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ”.

فسنجد أن التراخى هنا مرة حُدد بسبع سنين، ومرة حُدد بسنة واحدة.

● وعندما يقول تعالى: ” فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ “.

فقد وصل التراخى إلى ساعات محدودة.

● وعندما يقول تعالى : ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ● ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً . . “.

فلم يسبق ” ثم ” هنا ذكر لأحد من المرسلين!

فالتراخى هنا أين ولما ؟

● وعندما قال سبحانه عن قوم مدين وموسى:

“كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ● وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ”.

فقد جاء ذكر إرسال موسى بدون “ثم” فهل يُفيد ذلك أن موسى كان معاصرًا لمدين؟ بالطبع لا!!

فيكون التمسك بـ “ثم” وما شابه ذلك ليس طريقًا للاستدلال، وإنَّما للاستئناس. فما بالنا أن مثل هذا القول الفاسد سيؤسس لنظرية مفادها تأخر البيان لمئات السنين ليتمّ تفصيل الاكتشافات العلمية على البيان؟!!!

● إذن فنعود ونقول: هل تأخر بيان القرءان كما زعم صاحب المنهج؟!

يقول سبحانه: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ”.

فكيف سيكون الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ثم هو بدون بيان وقت نزوله ويظل بدون بيان إلى حين؟!!

هل هذا كلام يستقيم؟!!

وهل هذا كلام يبدأ به من سيؤسس منهجًا لقراءة القرءان بينما هو لا يُحسن هنا قراءة هذه الجزئية الهامّة من أصل التنزيل، وهى أن البيان لازم وحتمي أن يكون مصاحب للتنزيل.

ثم يقول صاحب المنهج: “فالنبي الكريم محمد لم يكن من الّذين يقرأون ولم يكن في قومه من يقرأ وإن كان فيهم من يتلو ويخط فهم “أميون” يتبعون أمة في دليلها منهج السابقين والأسلاف التي تحمله كلمة أم“.

وهو كلام أولاً: مسروق بعضه من قول للأستاذ سمير يقول فيه: “وأبدأ بٱلكلمات (أمَّ أُمّىّ أُمّة إمام أئمّة). فهى جميعها تستمدّ دليلها من ٱلفعل (أَمَّ)”، وبعضه الأخر (ربما يكون) من بنات أفكار صاحب المنهج، وهو قوله: “فالنبي الكريم محمد لم يكن من الّذين يقرأون ولم يكن في قومه من يقرأ وإن كان فيهم من يتلو ويخط”، وهو خطأ منقول ـ كما سيأتي ـ!

وثانيًا: هُوَ قول عوام لم يرتقوا للنظر في الكتاب بعد، وبالتالي لَم يميّزوا بَعد بين التلاوةِ والقراءة، فالقِراءة هي فهمُ الأشياءِ، والقائلُ أنَّ الرسول لا يقرأ يقول بأنّه فاقد لقُدرة الفَهم!!

وثالثًا: فَهُوَ تناقض مع ما سَبَقَ وأن قَرَّرَهُ مِن قَبل مِن عدم وجود ترادفٍ في القرءان، ومَع ذَلِكَ فهوَ هُنا يسوّي بين القراءة وبَينَ التلاوة، . . . فتأمل!!

وبالتالي فإنَّ قول صاحب المنهج: “فالنبي الكريم محمد لم يكن من الّذين يقرأون و لم يكن في قومه من يقرأ وإن كان فيهم من يتلو و يخط” هو: سمك، لبن، تمرهندي!!

ويعني ضمنيًا أن النبي لم يكن ممن يقرأون، أو يتلون ويخطون، وحتى هَكَذَا فهو غير صحيح فالنبي محمد كان يتلو ويكتب قبل أن يُبعث رسولاً، ولبيان ذلك أقول:

هب أننا نريد أن ننفي عن الرسول كونه يكتب فالمفترض أن نقول: الرسول لا يكتب، أو لم يكن يكتب. فإذا قلنا (مثلاً): الرسول لم يكتب كتاب كذا، فسيتغير الأمر ويصير الرسول بذلك يكتب ولكنه لم يكتب الكتاب المشار إليه، إذ التخصيص يفصح عن وجود عموم سبقه، وكذلك الحال في التلاوة إذا ما قلنا: إن الرسول لم يكن يتلو الكتب الدينية السابقة فسيعني ذلك قدرته على التلاوة عمومًا، ولنطالع قول الله سبحانه:

“وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ”.

لو أراد الله إخبارنا بأن الرسول لا يكتب لما جاء بحرف الهاء في قوله: “وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ”، ولكان الأوفق أن يقول: “وَلَا تَخُطُّ بِيَمِينِكَ”، وبذلك ينتفي فعل الكتابة عن الرسول تمامًا، ولكن حرف الهاء جاء ليبين أن الرسول كان يتلو ويكتب قبل البعثة، إلا أنه ما كان يتلو ولا يخط من كتاب من كتب السابقين!!

وهنا نضع أحد أهم لبنات المنهج الصحيح لقراءة القرءان، وهو: أهمية تدبر القرءان بالحرف وليس بالكلمة، وبالتشكيل والرسم أيضًا، وهنا نجد أن تدبر حرف الهاء ذهب بمعنى مخالف تمامًا لما ذهب إليه الكثيرون، وثبت بفضل الله أن الرسول كان يتلو ويكتب قبل البعثة بزمان، ولكن الله تعالى برأه أن يكون كتب أو تلا كتب الأمم السابقة.

أما قول صاحب المنهج: “فهم [أميون] يتبعون أمة في دليلها منهج السابقين والأسلاف“، فهو ـ بخلاف سرقته مِن الأستاذ سمير ـ لا يطابق تعريف القرءان للأمية، فالأمية تشمل كل الاتجاهات (على تعددها) طالما لم تنضوي تحت لواء الكتاب!!

يقول سبحانه: “وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ”.

فالأيات تتكلم هنا عن الذين لايعلمون الكتاب إلا أماني لتبين أنهم أميون تركوا العلم المتحقق بالكتاب وأخذوا بالظن فصار دينهم أماني، وهذا يضع أيدينا على بداية تعريف الأمية.

إذ هى هنا تمثل الجهل بالكتاب (لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)، وهذا هو عين ما كان حادثًا مع النبي قبل البعثة ومع قومه، إذ كانوا لا يعلمون شيئًا عن الكتب السابقة، ولم يكن النبي يعلم شيئًا عن الكتاب، وفي ذلك يقول سبحانه: “. . مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ”.

وبالتالي يمكن أن نقول: إن هناك أميتان ذُكِرتا بالقرءان، أحدهما اختيارية وقعت من الكفرة من الذين أوتوا الكتاب فهجروا ما فيه من علم، فصار جهلهم اختياريًا، لا يرضاه الله تعالى، فوقعوا في الإثم والغضب، وحق عليهم العذاب واللعنة. والأخرى اضطرارية حدثت لعجز الإنسان عن الوصول إلى الحق بنفسه، واحتاج إلى مدد الله تعالى، فلما تأخر المدد وقع الجهل اضطرارًا، فلم يؤاخذ صاحب هذه الأمية، وخرج من دائرتي العذاب والغضب. وهذه الأمية هى التي تنطبق على أمية الرسول وقومه قبل بعثه ولا تلازم بين هذه الأخيرة وبين اتباع أمة سابقة.

فأي من الأميتين لا ينطبق عليها تعريف صاحب المنهج السابق . . . فتأمل!!

ولما كان الجهل هو عصب الأمية، فبالتالي ستصير أى حركة مبنية على الجهل إلى وجهة خطأ. والضلالة تقتضي الحركة، فلا يُقال للساكن إنه ضلّ، وعلى ذلك فالضال هو متحرك جاهل، وهنا سنجد أيضًا نوعين من الضلالة، أحدهما مذمومة، والأخرى محمودة، وضال مذموم، وضال معذور، فالذي أُنزل إليه الكتاب ثم أعرض عنه واتبع الظنون أيًا كانت هو كما عرفنا ” أمي باختياره “. وهذا الأمي باختياره ستحيق به الضلالة لا محالة، ومن ثم سيتحرك في الطريق الخطأ، وسيكون ضلاله هذا من الضلال المذموم الذي يستعيذ منه من يتلوا الفاتحة أن يكون من أهله، وبالتالي سيقع أصحاب هذه الضلالة المختارة في دائرة العذاب والغضب. أما “الأمي اضطرارًا” ألذي لم يأته من ربه ما يهديه بعد فهو غير مكلف بالحركة، فإذا ما تحرك في طريق العبادة فسيضل حتمًا، ولكنه ضلال محمود لكونه يبحث عما يربطه بخالقه، وهو ضلال ذكره سبحانه لخليله إبراهيم عندما بدأ الحركة بدون هدى من الله له فاضطرب بين الكواكب حتى قال: “لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ”، ثم هداه الله واجتباه.

كما ذكر سبحانه هذا الضلال (المحمود) أيضًا لرسولنا ذو الخلق العظيم فقال: “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى”.

إذن فقد بدأت الصورة المشوهة بأن الله تعالى أرسل رسولاً يجهل التلاوة والكتابة للجهلة بالتلاوة والكتابة تتبدد، وصرنا نقترب من حقيقة أن الرسول كان يتلو ويكتب، وأُرْسِل لقوم يتلون ويكتبون، ولنستكمل المسيرة:

يقول تعالي: “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ”.

تبين الأية أن بعض أهل الكتاب كانوا (ولايزالون) يستحلون أموال غيرهم على اعتبار أنهم غير متدينين بدين، سموهم بالأميين، ومن السذاجة أن يُقال إن بعض أهل الكتاب يستحلون أموال الجهلة بالتلاوة والكتابة. وقد قال أهل التفسير في هذه الأية إن المقصود بالأميين هم العرب، فلا أدري على أي أساس كالوا بمكيالين، فجعلوا الأمي مرة الجاهل بالقراءة والكتابة، ومرة العربي؟!

وإذا ما طالعنا قوله تعالى: “لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ”، وقوله تعالى: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ”، فسنلاحظ أن الله تعالى قد وصف قوم الرسول بالغافلين، كما نلاحظ أن الرسول قد وُصِفَ بنفس الصفة، وهى الغفلة. وهذه الغفلة هى الغفلة الاضطرارية الناتجة من الجهل الاضطراري والأمية الاضطرارية، وبذلك يكون معنى إرسال رسول أمي للأميين هو إرسال رسول لم يسبق أن جاءه كتاب ولا رسول إلى قوم لم يأتهم من قبل لا كتاب ولا رسول.

ويقول نعم المولى في كتابه العزيز: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا”.

ونجد هنا أن الكفار المعاصرين للرسول يصفون القرءان بالإفك، ويقولون بأن الرسول قد افتراه، وأن هناك من أعانه على هذا الافتراء!! فكيف لفق القوم هذه التهمة للرسول؟!

يقول سبحانه في الأية التالية: “وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا”.

واكتتب الكتاب أى طلب كتابته، فهم يتهمون الرسول هنا أنه هو الذي قام بكتابة القرءان بأن طلب من غيره أن يملي عليه من كتابه، فساعده هذا الغير بأن كان يُملي عليه من أساطير الأولين من كتبهم المتوارثة. وقد ذهب القوم إلى تطويع الكلم لمواضعهم هم فقالوا بأن الغير كان يكتبها للرسول، وهو مخالف لكونه هو المتهم بكونه افتراه، وبأنه هو الذي اكتتب، ولكونه هو الذي تُملى عليه!

ويقول نعم النصير في محكم التنزيل: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”.

ولو تأثرنا بروايات القوم وقلنا بأن الرسول كان يجهل القراءة فكان يكفيه أمر الله تعالى له بأن يقرأ ليجد نفسه يقرأ بلا أى عناء، وذلك تصديق لقوله تعالى: “إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”.

ولكن الأهم من ذلك هو أن الذي لا يتأثر بترهات القوم سيجد رب عليم يأمر رسول مطيع بأن يقرأ، وبالطبع سيقرأ الرسول لأنه قادر على التلاوة والقراءة.

وللحديثِ بقيّة

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ