البَشَرُ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي اسْتَطَاعَ قَهْرَ الأَنْسَنَةَ الَّتِي تَشُدُّهُ إِلَي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَذَلِكَ بِالإِيِمَانِ وَعَمَلِ الصَّالِحَاتِ:

وَقَدْ جَآءَت كَلِمَةُ “البشر” مُنَكَّرة “بشر” ستة عشرة مرة (16)، وأربعة مرات مضافة، بلفظ “لبشر”، وثلاث مرات مُضافة، بلفظ “للبشر”، وتسعة مرات “بشرا”، ومرة بلفظ “لبشرين”، ومرة بلفظ “أَبَشَر”، ومُعَرَّفة مرتان. فالإجمالي ست وثلاثين مرة (36). لم ترد ولا لمرة واحدة في مورد الذَمّ كما هو الحال مع لفظة “الإنسان”.

البشر:

أورد الله تعالي لفظ البشر في موارد كثيرة، ومن المؤكد أن دراستها ستُعَرِّفُ الدارس بالمعني المقصود للفظ، وهو ما سنقوم به هنا. وسنكتشف هنا أنَّ الأنبياء هُم من البشر، وهكذا الحال مع الصالحين عمومًا، فسنجدهم كلهم من البشر.

الأنبياء بشر: يقول تعالي عن الأنبياء:

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)ءال عمران.

فلماذا قال اللهُ تعالى هُنَا: “مَا كَانَ لِبَشَرٍ“، وَلَم يقل: “مَا كَانَ لإِنسَانٍ”، لَوّ أنَّ النبيين من الإنسان؟!

ولنتابع لنعرف أكثر معني لفظ “البشر”. يقول تعالي في سورة الشورى:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)“.

إذًا فالأمر مُطرد، والله تعالي يُبَيِّنَ لنا أنَّ البشر هو المعنيُّ بالوحيّ لا الإنسان، ولكن الخَطأ ءافة التَسَرّع.

الرسول بشر:

يقول تعالي ءامرًا رسوله:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ..(110)الكهف.

فهلا قال له: قل إنما أنا إنسان مثلكم، طالَما الإنسان هُوَ الأرقى؟!

ويقول تعالي ناقِلاً قول الكُفَّار للرسولِ:

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً الإسراء.

إذًا فالأمر مُطردٌ أيضًا، والرسول مأمور بأن يقول إنه بشرًا، وليس إنسانًا!

ولنتدارس هذه الأيات الكريمة؛ يقول تعالي:

حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) فصلت.

فالكتاب هو تنزيلٌ من الرحمن الرحيم، وقد فُصِّلَت ءاياته، قرءانًا عربيًا، ولكن هذا التفصيل لا يفهمه الجَهَلة، وإنما يفهمه القوم الّذين يعلمون. وعندما قال لهم الرسول إنه بشير ونذير أعرض أكثرهم، وقالوا إن عقولهم أُغْلِقت، وأنّ قلوبهم في أكِنَّةٍ، وفي ءاذانهم وقرٌ.

هنا جاء الأمر الإلهي للرسول أن يقول للقوم إنه بشر مثلهم!!

استدراك: سيقول البعض: “إذا كنت تقول بأن البشر هم من تتحقق فيهم صفات السموّ فكيف سيقول الرسول لهم إنه بشرٌ مثلهم، وهم علي حالهم هذا؟!”.

والجَواب: إنَّ هذا هو أسلوب الدعوة الّذي لخَّصَه الله تعالي في قصة ذهاب رسوله موسي ونبيه هارون لعدوّ الله فرعون عندما قال لهما موجهًا إياهما:

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)طه.

فالقول اللّيّن يستوجب أن يُعْرَض بهذه الصيغة، وهي صيغة ستُقابلنا كثيرًا عند استطلاع أحوال الرُسُل مع أقوامهم، كقوله تعالي:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ..(18) المائدة.

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..(11)إبراهيم.

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)الإسراء.

وسنلاحظ أيضًا أن القرءان ينقل قول الكفار والمشركين لرسلهم إنهم بشر مثلهم، مع ما هم عليه من كُفرٍ وشرك. وسيفهم دارس القرءان ـ المؤمن بهِ حقًّا ـ أنَّ قول الكفار هذا فيه ما يليق بالمُرسلين؛ فالقوم يقولون للرسل إنهم مثلهم في الخِلقة، والقرءان يصيغ كلامهم بما يليق برسله، ولنراجع:

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)إبراهيم.

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)الأنبياء.

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)المؤمنون.

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)المؤمنون.

وقول قوم صالح له:

مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)الشعراء.

راجع أيضًا: الشُعراء: 186، يس: 13 ـ 15، وهُود: 26 ـ 27.

.

مسّ مريم المُفترض يكون من بشر:

عندما بُلِّغَت مريم بأنها ستحمل بكلمة الله عيسى قالت مندهشة:

. . رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . . (47)ءال عمران.

فاستنكارها أنها لم يمسّها بشر، يتضمن أنه لو كان لها مسٌّ لكان من مُسّلم صالح مثلها، وبالتالي سيكون بشرًا، لا إنسانًا. والمسّ خاصّ بالنكاح، ولكنه غير مُتَّصِل، بخلاف الملامسة. ولذا نجدها تقول في موضع ءاخر:

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)مريم.

أيّ لَم يمَسسني بشرٌ (صالِح) بالنِكاح، ولَم أكن بَغيًّا فيواقعني غَيره.

تمثل روح الله بالبشر:

سنجد أيضًا أنه عندما أرسل الله تعالي روحه إلي مريم عليهما السلام قال سُبحانه إنه تمثل لها بشرًا، ولم يقل إنه تَمَثَّل إنسانًا، ولكن التَسَرّع لا يجعَل لمثل هذه الدقائق وزنًا. يقول من له وحده أعبد:

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)مريم.

.

يوسف والنسوة والبشر:

فعندما قَصّ الله تعالي علينا قِصّة يوسف نقل قول النسوة عن يوسف عليه السلام:

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)يوسف.

وكان المُفْتَرَض أن يقلن ـ مثلاً ـ: “حاش لله ما هذا إنسانًا، إن هذا إلا بشر كريم“. ولكن المُقارنة حدثت عندهم بين البشر والمَلَك. والسبب في علوّ هذه المُقارنة يُبَيِّنَهُ قول الله تعالي:

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)يوسف.

فالنسوة عَلِمْنَ من قبل عِندَ مُقابلتهِن يوسف أنَّه بشر ذو خُلُق، حيث عرفن أنه امتنع عن تنفيذ رغبة امرأة العزيز، وأنها هي التي تراوده عن نفسه، وبالتالي فحين رأينه ورأين صلاحه الظاهر وقعت المُقارنة بينه وبين الملائكة لرغبتهن في رفعه إلي درجةٍ تَخَيَّلوا أنها أعلي من درجة البشر، وهي درجة المَلَك، حيث تنتفي الرغبة والدوافع الجِنسية علي الإطلاق.

.

السجود للبشر لا للإنسان:

وَعندما قصّ الله تعالي علينا الحوار الّذي دار بينه وبين الملائكة بَيَّنَ أنَّه أمرهم بالسجود للإنسان حين ينتهي إلي طور البشر. إذ إن ءادم قد سبقه حينٌ من الدهر، امتلأ بالإنسان، وهو في بدايات وأوسط الخِلقة، وهو ما عَبّرَ عنه نوح عليه السلام بقوله:

مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)نوح.

وهذه الأطوار بينها سُبحانه بقوله:

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ..(9)السجدة.

وثُمَّ تُفيد هنا البعد الزمنيّ بين الأطوار. ولأنّ هذه الأطوار كانت سابقة علي نفخ الروح عليه السلام في ءادم فقد كان المخلوق الأول مُتدني غير راقيٍ، يَصْدُق عليه قول الملائكة: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ . . (30)البقرة. حيث حكموا بخبرتهم بالطور السابق علي طور التسوية. وهذا الطور قال عنه سُبحانه:

هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)الإنسان.

فكيف سيُذكر بينما يداه مُقيدتان لمشيه علي أربع، ولم يستوي بعد، فلا هو بالّذي أنشأ حضارة تُذْكَر، ولا كان له عمل يُسَجَّل عليه. ومن أفراد هذا الطور جاء ءادم، ووقع عليه الاختيار ليكون أول بشر، وفي ذلك قال تعالي: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءاَدَمَ . . (33)ءال عمران.

ولو كان ءادم أول مخلوق لقيل: “اصطفاه الله تعالي ممن؟”!!!

وقال تعالي: . . كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133) الأنعام.

وءاخرين تفيد المغايرة، وهو ما حدث فعلاً، فالشبه بين ءادم ومن سبقوه كبير، ولكنَّه صار شيئًا مُختلفًا، حتى أنَّهُ يُمكن أن يُقال إنَّهُ شيئٌ ءاخر، وبالتالي فإن أصل النشأة هو من قومٍ ءاخرين “مُختلفين”.

ولأن ءادم حدث فيه التغيير “الجيني” لتنتهي به أطوار الخلقة قال تعالي إنه “سيجعله”، ولم يقل إنه: “سيخلقه”، وبينهما بُعد شاسع، فالخلق ابتداء، والجعل انتهاء، وفي ذلك يقول تعالي:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . (30)البقرة.

وهو كقوله تعالي:

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)الأعلى.

فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)القلم.

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)الفرقان.

فالجعل ـ كما هو واضح ـ هو تحويل لموجود. وذكر البشر مع الخلق يختزل الصورة بالمُحَصَّلة النهائية للخلق، وهو كقوله تعالي:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)الحجر.

ونلاحظ هنا أن الأمر بالسجود لم يتناول الأطوار الأولي، وإنما ارتبط بانتهاء الأطوار كلها، فترتب علي انتهاء طور التسوية ونفخ الروح. وهو كقوله تعالي:

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74)ص.

.

بَقِيَ أن نُعَلِّق علي قولِهِ تعالي عَن سَقَر: “لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ“.

فَلَوّ قُلنا بأنَّهُ الأوفَق أن يُقال “لَوَّاحَةٌ لِّلإِنْسَان” ـ باعتبارهِ المُنْحَط ـ، لَتَناقَضَ ذَلِكَ مَع العَديدِ مِن الأياتِ الَّتي تُوَضِّحُ أنَّ كُلّ النَّاس بِمَن فِيهم الصالِح والطَالِح سيُعْرَضونَ علي جَهَنّم يَومَ القِيَامةِ، وسَتَلوح لَهم، وسيردونَها، . . الخ، وَلَكِنَّهُ ورود عَرْضٍ، لا وُرُود تَعْذِيبٍ. وَمِن هَذِهِ الأيات قَولِ اللهِ تعالى بسورةِ الجاثية:

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)“.

وقَولِ اللهِ تعالى بسورةِ مَرْيَم: “وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)“.

وَنُلاحِظُ هُنا (بِخلافِ عُمومِ الوُرُود) أنَّ القول المَذموم بإنكار البَعث والعَودة جاء مَنْسوبًا للإنسان لا البَشَر.

وبالتالي نَفْهَم أنَّ قولُهُ تعالي: “لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ“، تَتَوافق مَع قولِهِ تعالي: “وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا“، ونَفْهَم أن التَقِيّ لَهُ في جَهَنَّم مَنزلَتين، والظَالِم لَهُ أيضًا في جَهَنَّم مَنزلَتين. فَأمَّا التَقِيّ فَلَهُ فيها مَنْزِلة العِلم (عِلم اليَقين)، وَمَنْزِلة العَيْنِ (عَين اليَقين)، ثُمَّ نَجَّاهُ اللهُ تعالي مِنها فَلَم تَتَحَقَّق المَنْزِلة الثالِثة وَهيَ مَنْزِلة “حَقّ اليَقين”، أمَّا الظالِم فَقَدْ حَرَمَ نَفسَهُ مِن مَنْزلة عِلم اليَقين، وَكَذَّبَ بجَهَنَّم فاستحَقَّ دُخُولِها فَاجْتَمَعَ لَهُ مَنْزلَتَيِّ عَين اليَقين، وحَقّ اليَقين. فاشْتَرَكَ كُلّ مِن التَقِيّ والظَالِم في الورودِ لِجَهَنّم، وَفى كونِها ستلوح لَهُم (1)، واختَلفا في المَنزلِة الثالثة والحمدُ لله، نسأل الله تعالي أن يُنَجّينا مِنها.

أيضًا نَفْهَم أنَّهُ عِنْدَمَا يَجْتَمِع كُلّ مِن الصالِح والطالِح فَإنَّ التَسمية الصحيحة هِيَ البَشَر لا الإنسان، كَما في قَولِهِ تعالي:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ“.

ونَفْهَم مِن قولِهِ تعالي:

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ“.

أن إيراد لَفظ “البَشَر” مَع إيتاء اللهِ تعالي لَهُ الكِتاب والحُكم والنُبُوّة أوفق مِن إيراد لَفظ الإنسان. وَهُوَ كَقولِهِ تعالي:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ“.

ولعل ما سبق يكفي لبيان أن موارد الإنسان مختلفة عَن موارد البشر، وأنَّ البشر هو الإنسان الّذي استطاع قهر الأنسنة التي تَشدّه إلي أسفل سافلين، وذلك بالإيمان وعمل الصالحات. وبالتالي فإن الأنبياء والرسل يُقال عنهم ـ بعلم ـ أنهم من البشر، ويقال عنهم أيضًا ـ بجهل ـ إنهم من الإنسان. والفرق بينهما من الشساعة بمكانٍ كَمَا رأينا .

الهامِش:ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ وَلَوّ قال تعالي :”لَوَّاحَةٌ لِّلإِنْسَان” لقيل إنَّه تَحصيل حاصل، ولَغوّ مِن القَول، فالَّذي سَيَحْتَرق بجَهَنَّم كَيفَ يُقال إنَّها ستلوح لَه.

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

ردا على “بشر – البَشَر

  1. Shady

    الأستاذ/ إيهاب المحترم . . .
    فى ظل الأحداث الجارية فى كل أنحاء العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط يبرز سؤال مهم وهو : هل إقامة دولة مقصد من مقاصد الدين حتى يتم فى ظلها تطبيق ماأمر الله بتطبيقه من حدود وإقامة مجتمع ليكون نموذج ومثال يبين إمكانية وجود مثل هذا المجتمع وأن هذا الدين فعلا قابل للتطبيق

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ